بقلم زينب واكريم
فن #مسرح #مغرب
المسرح الطليعي بان فـ أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، كحركة فنية هدفها تكسر القيود ديال المسرح الكلاسيكي اللي كان مهيمن لقرون. ما كانش الغرض هو الهدم الأعمى، ولكن خلق لغة جديدة كتسمح للمسرح يكون فضاء للتجريب، للنقد، ولمواجهة قضايا المجتمع. فهاد الفترة، المسرح ما بقا عندوش نفس الوظيفة التقليدية ديال الترفيه، ولكن ولى أداة فكرية وسياسية.
من أبرز الأسماء اللي شكّلو هاد التحول برتولد بريخت فـ ألمانيا، اللي طوّر ما سماه “المسرح الملحمي”، وخلا الجمهور ما يبقاش يتماها مع الأحداث بشكل عاطفي، ولكن يبقى واعي ويفكر فالمضمون. كان كيستعمل تقنيات بحال الراوي، الأغاني واللافتات باش يقطع الوهم المسرحي. ففرنسا، أنطونان أرتو دعا إلى “مسرح القسوة”، مسرح كيخاطب الجسد والحواس مباشرة، وكيهزّ المتفرج من الداخل. وفـ بولونيا، جيرزي غروتوفسكي ابتكر “المسرح الفقير”، اللي ما كيحتاجش لديكورات كبيرة ولا لإمكانات تقنية، ولكن كيركّز على الممثل كأداة أساسية للخلق.
هاد الرواد وغيرهم خلقو مسرح جديد كيعتبر العرض مختبر حيّ، والجمهور طرف فاعل فيه ماشي مجرد متفرج سلبي. المسرح الطليعي ماشي فقط أساليب تقنية، ولكن رؤية فلسفية: الفن خاصو يكون أداة ديال التغيير، وساحة للتجريب، ومجال للتفكير الجماعي.


البداية كانت فـ 2023، ملي التحقت الكاتبة والمخرجة سكينة مشكور بمركز التربية والتكوين ديال المكفوفين وضعاف البصر كأستاذة للأنشطة المسرحية، وكأستاذة مساعدة فـ اجتياز الامتحانات. من هاد التجربة تولدات فكرة جريئة: إنجاز عمل مسرحي أو فيلم أبطالو يكونو من المكفوفين بذاتهم.
الطريق ما كانش ساهل؛ التحديات كانت كبيرة، من صعوبة تمييز الأصوات، لاختلاف لغة الجسد بين المبصر والمكفوف، وحتى مسألة الاتجاهات على الخشبة. ولكن الرغبة فـ مشاركة الحلم مع الشباب المكفوفين وإرجاع الثقة لهم، كانت أقوى من الاستسلام.
فهاد اللحظة جا مشروع Handifilm اللي كيهدف يكوّن الأشخاص فـ وضعية إعاقة فـ المجال السينمائي، وينتج أفلام يكون الطاقم ديالها من المستفيدين. وبما أن عند سكينة مشكور إجازة فـ الدراسات السينمائية والسمعية البصرية من جامعة عبد المالك السعدي، تطرحت كمؤطرة للورشات إلى جانب المخرج مهدي عبوبي، خريج المدرسة العليا للفنون البصرية بمراكش.
كتقول المخرجة : أطرنا بزاف ديال الورشات: من تحليل الفيلم الوثائقي وكتابة ملف الفيلم، للإخراج وإدارة الممثل، حتى ورشة التصوير اللي صورنا فيها جوج أفلام وثائقية لمكفوفين من المركز: “الطائر العجوز” لخليل، و“المفتول” لوسيلة. من بعد جا وقت المونطاج اللي عطاهم فرصة يتعرفو على أدوات السرد البصري. التجربة كانت رحلة إنسانية عميقة، عرفتني على عالم المكفوفين وعلى تفاصيل حياتهم الخفية. قصة خليل بالخصوص أثرت فيا بزاف، ومنحاتني الإلهام نكتب نص مسرحي بالتعاون مع المنتج السعودي المقيم فالمغرب علي عباس الصناع. هكذا تزاد مشروع مسرحية “خليلي”. الكتابة دامت أربعة أشهر، وخديت فيها قرار مصيري: إنجاز أول مسرحية مغربية كاملة ببطولة المكفوفين، وحتى الموسيقى التصويرية غادي تكون من إبداعهم. المسرحية كتحكي على خليل، راجل خمسيني فقد البصر ديالو بسبب وراثي، وعاش عشر سنين فـ عزلة واكتئاب، قبل ما يلقى راسو مضطر يتحمل مسؤولية خوتو المكفوفين من بعد وفاة الأم، اللي كانت هي المعيلة الوحيدة.

خليل حميدي، مدرب رياضي سابق، اللي جسد شخصية رئيسية بكل قوة وتجربة حياتية.
أميمة حجاج، حاصلة على إجازة فـ علم الاجتماع، اللي دمجات المعرفة الأكاديمية مع الأداء المسرحي.
وسيلة المروني، مغنية وعازفة عود، اللي جابت معاها حس موسيقي زاد غنى للتجربة.
الموسيقى التصويرية تكلف بها أيوب بن يعشو، اللي عندو ماستر فالقانون وماستر فآلة العود، وجمع بين التكوين الأكاديمي والحس الفني. هاد الإبداع كمل بالمشاركة الجماعية ديال كُورال جمعية الشروق للمكفوفين وضعاف البصر، اللي عطاو للعمل بعد إنساني وجماعي استثنائي.
التداريب كانت فـ فضاء جمعية الشروق للمكفوفين وضعاف البصر، واللي ولات حضن حقيقي لهاذ التجربة، أما الإنتاج فكان من توقيع شركة Alsannaa for Artistic Production، اللي ساندات المشروع وفتحات ليه الأفق باش يشوف النور.
و كاضيف : مرحلة التداريب كانت الأصعب، ماشي غير تمرين على مسرحية، ولكن تصحيح مفاهيم جسدية وسلوكية عريقة عند المكفوفين. من شرح كيفاش كيظهر الغضب فـ لغة الجسد، لوضع علامات فـ الفضاء باش يسهل عليهم التحرك، وتعديل أبسط الإيماءات باش توصل للجمهور بوضوح. التداريب دامت شهر ونص، وما كانتش فقط فترة تعلم للمكفوفين، ولكن حتى ليا شخصيًا: تعلمت الصبر، التركيز على التفاصيل الدقيقة، ونضجات رؤيتي للحياة بطريقة جديدة. واليوم، وإحنا على أبواب العرض الأول لمسرحية “خليلي”، نوثقو هاد المغامرة بفيلم وثائقي طويل، باش الجمهور يعيش القصة كاملة، وما يكتفيش بمشاهدة العرض فقط.

فالمغرب، المسرح ما كانش بعيد على روح الطليعة. من زمان، كانت عندنا الحلقة فالساحات والأسواق، اللي هي فن شعبي فيه كسر للإيهام: الحكواتي كيواجه الجمهور مباشرة، كيخاطبهم ويشركهم فالقصة. هاد الروح كتشبه بزاف للفكرة ديال بريخت اللي ما بغاش الجمهور يبقى سلبي، ولكن واعي ومشارك.
من بعد، مع أسماء كبار بحال الطيب الصديقي، المسرح المغربي بدا كيجرب لغات جديدة: مزج بين التراث الشعبي والمسرح العصري، إدخال الموسيقى، الكوميديا، وحتى النقد السياسي بطريقة فنية. هادي كانت لحظة طليعية مغربية بامتياز.
وفـ السبعينات والثمانينات، المسرح الجامعي والمسرح الهاوي زاد عطى نفس جديد: أعمال كتجرب، كتطرح أسئلة اجتماعية وسياسية، وكتبحث على لغات بصرية وجسدية خارج القواعد التقليدية.
فهاد السياق، تجربة “خليلي” كتجي كاستمرارية ديال هاد الروح التجديدية، ولكن فـ إطار مغربي خالص. بحال ما قلب بريخت القواعد الكلاسيكية، هاد العمل كيجرّب يقلب الأعراف: الممثلين كلهم مكفوفين، واللغة الجسدية كتتعلّم من جديد من خلال الإحساس، الصوت، والإشارة. فبلاصة ما يكون الجسد وسيلة بديهية للتعبير، كيولي موضوع للتجريب وللتربية الفنية.
وإلى جانب البعد الفني، “خليلي” عندو بُعد إنساني عميق: بحال ما كان المسرح الطليعي وسيلة لمواجهة الظلم الاجتماعي والسياسي فأوروبا، هاد المسرحية كتعطي صوت لفئة مهمشة، وكتحوّل معاناتها اليومية إلى لغة إبداعية على الخشبة. وهنا كيولي المسرح مشي غير فضاء للعرض، ولكن ساحة للحوار، للمقاومة الرمزية، ولإعادة الأمل.
الفن الحقيقي هو اللي كيحمل رسالتو للناس كاملين بلا استثناء. الفن خاصو يسمع للصمّ ويورّي للمكفوفين، لأنه إلا ما قدرش يوصل للي ما كيسمعش وما كيشوفش، ما غاديش يوصل للبشرية كاملة. مسرحية خليلي كتجسد هاد المعنى: عمل كيحط المكفوفين فـ قلب الخشبة، وكيحوّل التجربة ديالهم من معاناة صامتة لإبداع مفتوح قدام الجمهور. وبهذا الشكل، المسرح ما كيبقاش غير وسيلة للعرض، ولكن كايولي جسر ديال تضامن، أمل، وحق فـ الرؤية المشتركة. مسرحية “خليلي” ماشي غير تجربة فنية، ولكن رسالة إنسانية قوية كاتأكد أن الفن عندو القدرة يفتح آفاق جديدة، ويمنح صوت للناس اللي كانو مهمشين. هاد العمل كيبين أن الإبداع ما كيعرف لا حدود لا قيود، وأن الإرادة والرغبة فالتغيير قادرة تحوّل المستحيل لواقع.
هاد الشي كيأكد أن المغرب ماشي فقط متلقي للطليعة العالمية، ولكن عندو القدرة يخلق طليعتو الخاصة، منبثقة من المجتمع والهموم المحلية.

أضف تعليق