بقلم زينب واكريم,
منذ البدايات الأولى ديال الفكر الجمالي، بقى الفن والدراماتورجيا فجوهرهم بحث دايم على الكمال، ماشي كشي حاجة مطلقة ومسدودة، ولكن كمسار مفتوح كيسعى ديما باش يخلق الانسجام بين الجمالي والفكري، بين الرمزي واليومي، وبين الذات الفردية والمشروع الجماعي. الدراماتورجيا ماشي غير تقنية فالكتابة ولا أداة لتحليل نصوص المسرح والسينما، ولكن إطار كوني كيساعدنا نفهمو العلاقة بين الإنسان والعالم، بين الصورة والذاكرة، وبين الشكل والمعنى. من أرسطو اللي صاغ مفهوم التراجيديا فـ «فن الشعر»، حتى لغاستون باشلار اللي ربط الصورة بالخيال واللاوعي، مروراً بقراءات معاصرة رجعات للرمز النفس ديالو الحي وسط المجتمع، كل محاولة للتفكير فالدراماتورجيا كاتبقى هي محاولة جديدة باش ننسجو العلاقة بين الإنسان والوجود. وفالسياق المغربي، هاد المسعى كيولي أكثر إلحاح، حيث حنا محتاجين دراماتورجيا اللي كتحمل هويتنا الرمزية، كترجم تراثنا الشعبي، وكتفتح أبواب الحداثة بلا ما تضيع أصالتها.
فالتاريخ ديال الفكر الجمالي، كيبان أن مفهوم كمال الانسجام ماشي مجرد تقنية فنية، ولكن واحد الأفق الفلسفي اللي حاول الإنسان عبر العصور يوصل بيه إلى معنى الوجود. أرسطو فـ فن الشعر صاغ البنية الأولى للدراماتورجيا، وحدّد مبدأ البداية والعقدة والحل كقاعدة للانسجام السردي. من بعد، هيغل شاف أن الفن هو المرحلة اللي كيعبّر فيها الروح عن ذاتها، وأن الانسجام كيتحقق ملي الشكل كيتلاقى مع المضمون. أماباشلار، فكان كيشوف أن المخيلة الشعرية كتخلق واحد التناغم الكوني جديد، كتجاوز به الفوضى وكتحوله إلى صور رمزية حاملة للمعنى. نيتشه بدورو ربط الانسجام بالمأساة الإغريقية، حيث التوتر بين الأبولليني(النظام) والديونيزوسي (الفوضى) كيخلق وحدة جمالية عميقة.
هاد الفكرة ديال الانسجام ماشي مجرد تنظير، ولكن تجسّدت فـ أمثلة تاريخية حيّة. معمار الإغريق مثلاً، وبالخصوص معبد البارثينون فـ أثينا، كيبين كيفاش النِّسبة الذهبية استُعملت باش كل جزء يكون متناغم مع الكل. الأعمدة ماشي مستقيمة تماماً، ولكن منحنية بشكل دقيق، وهاد التقنية كتخلي العين البشرية تشوفها كاملة التوازن. بحال سيمفونية من الحجر، البارثينون كيعكس الرغبة القديمة فخلق انسجام كوني مرئي ومجسّد.
فالتاريخ الإسلامي، غادي نلقاو مثال آخر عند ابن خلدون. رغم أنه ما كتبش على الفن مباشرة، إلا أن المقدمة ديالو مبنية بواحد الشكل دراماتورجي عميق. البداية كتمثل ظهور العصبية القوية، العقدة كتكون ملي كيتطور العمران وكيبان التعقيد، والنهاية كتجي فمرحلة الضعف والانهيار. هنا، الانسجام ماشي فالحكي الأدبي، ولكن فالبنية التاريخية ذاتها. هادشي كيبيّن أن الدراماتورجيا منباثقة من الحياة اليومية والسياسية، وأن حتى التاريخ كيتنظم وفق حبكات رمزية كتعكس الوعي الكوني بالانسجام.
الرؤية ماشي حكر على الفكر الغربي. فالفكر المغربي المعاصر، لقينا محاولات باش يتربط الفن والدراماتورجيا بالواقع الاجتماعي والسياسي. محمد عابد الجابري مثلاً كان كيشوف أن العقل العربي محتاج لإعادة بناء أنساقو الرمزية باش يواكب الحداثة، وهنا كيبان أن الجمالية ماشي بعيدة على مشروع النهضة. عبد الله العروي، من جهتو، كيعتبر أن السرد (سواء تاريخي أو فني) كيعكس البنية العميقة ديال المجتمع، وأن أي انسجام فالحكاية هو صورة عن بحث المجتمع على التوازن. طه عبد الرحمان، فكيشوف أن الجمال كيتحقق ملي كيكون عندو بعدأخلاقي و روحي، وأن الانسجام الحقيقي ماشي فقط بين الأشكال الفنية، ولكن كذلك بين الفن والإنسان في علاقته بالكون.
أما المهدي المنجرة، فكان كيشوف أن الانسجام الجمالي والثقافي ماشي مجرد ترف فكري، بل هو شرط للسيادة الحضارية. فالانسجام بالنسبة ليه ما بين التراث والحداثة، ما بين المحلي والكوني، هو اللي كيصون الهوية من الاستلاب. وهكذا كيبان أن الدراماتورجيا، باعتبارها أنساق رمزية منبثقة من الحياة اليومية، كتلتقي مع المشروع الحضاري اللي دعا ليه المنجرة : بناء مجتمع متناغم داخلياً، قادر يواجه التحديات الكونية بلا ما يفقد روحو.
فالمغرب المعاصر، غادي نلقاو نموذج بارز عند الطيب الصديقي، اللي حاول يدمج التراث الشعبي (الحلقة، الحكايات الشفوية، السيرة الهلالية) مع تقنيات المسرح الغربي. النتيجة كانت مسرحيات كتجسد هوية جمالية مزدوجة: فيها الأصالة ديال الموروث الشعبي، وفيها أدوات حديثة كتخلي العمل حاضر فالساحة العالمية. الانسجام اللي حققو الصديقي كيبين أن الدراماتورجيا المغربية ماشي دخيلة، ولكن خارجة من الأنساق الرمزية ديال الثقافة المحلية، وممتدة فالأفق الكوني للفن.
هاد التراكم ديال التصورات كيبين أن الدراماتورجيا ماشي مجرد صنعة مسرحية ولا سينمائية، بل هي أنساق رمزية خارجة من الحياة اليومية ذاتها. النهار اللي كيتبنى بحال مسرحية، العلاقات اللي كتتشابك بحال حبكات، لحظات الصمت اللي كتولي فواصل محمّلة بالمعنى… كلها إشارات أن الوجود منظم فـ بنية دراماتورجية. وهنا كيولي الفن مجرد مرآة كتسمح لينا نشوفو الوعي الكوني اللي ساكن فحياتنا البسيطة.
الدراماتورجيا بهاد المعنى كاتتجاوز النص وكتولي مشروع مجتمعي كيعاود يرتب العلاقة بين الجمالي والسياسي، بين الرمزي والمؤسساتي. ماشي غير إنتاج صور فوق الخشبة ولا على الشاشة، ولكن إنتاج رموز جماعية كتحمل إمكانات للتأمل، للنقد، ولإعادة بناء الوعي. وهاد الشي علاش كمال الانسجام بين الفن والدراماتورجيا ما كيتحققش إلا ملي كيولي المشروع الفني حتى هو مشروع مجتمعي. وهنا بالضبط، المسرح المغربي والسينما المغربية كيلقاو راسهم قدّام مسؤولية مزدوجة: من جهة، يحافظو على الذاكرة الرمزية اللي متجسدة فـ الأساطير والحكايات الشعبية والتراث الشفوي والرموز الطقوسية، ومن جهة أخرى، يدمجو هاد الرمزية فـ مشروع معاصر قادر يواجه التحديات السياسية والاجتماعية والثقافية. بهاد الشكل، كيولي الفن أداة باش يتوازن المجتمع ووسيلة كتعبر على الهشاشة ديالو والقوة ديالو فـ نفس الوقت.
النص الأصلي حاول يرسم هاد الصورة وهو محافظ على جوهر العلاقة بين الدراماتورجيا والفن كمشروع حضاري. ومع ذلك، النص ما سدش باب النقاش، بالعكس، حلّو على مصراعيه. كاينين بزاف ديال المفكرين والباحثين والفنانين اللي ما طرقناش لهم هنا، ماشي إغفال ولكن حيت لكل مقام مقال. هاد المفكرين، سواء كانوا فلاسفة فالجماليات ولا نقاد ديال المسرح والسينما ولا مفكرين اجتماعيين وسياسيين اللي هضرو على الهوية والثقافة من زوايا متقاطعة، غادي يتم استحضارهم فـ سياقات أخرى أكثر دقة. اللي كيهمنا هنا هو نْحطو الأساس: الفن ما كيتختزلش فالشكل، والدراماتورجيا ما كتختزلش فالتقنية، ولكن بجوج كيصنعو أفق حضاري كيْتجاوز الإبداع الفردي وكيولي مسؤولية جماعية، فواحد التوازن بين الأصالة والمعاصرة وبين الهوية والانفتاح.
التوسع النظري فهاد النص كيبين باللي الدراماتورجيا ماشي مرادف للكتابة بوحدها، ولكن هي شبكة ديال العلاقات بين النص والجسد والفضاء والزمن والمتفرج. وفهاد السياق، كاينين قراءات ديال باحثين كبار بحال إريكا فيشر-ليشته فمفهوم الأدائية والتحول، وباتريس بافيس فـ تحليل الميزانسين، وهانس-تيس ليمان فالمسرح ما بعد الدرامي، وبيتر زوندي فـ نظرية الدراما الحديثة، وبول ريكور فـ الذاكرة والسرد والهوية، ويان أسمان فالذاكرة الثقافية، وستيوارت هول فالهوية والتمثيل، اللي كاملين كيعطيو عمق كبير لهاد الفهم. ومع ذلك، كاينين مفكرين آخرين بزاف ما ذكرناهمش هنا، وغادي يجي الدور ديالهم تباعاً فـ سياقات أدق، باش نحافظو على الدقة ونْسندو كل فكرة للمجال ديالها.
الدراماتورجيا إذن أفق حضاري كيخلي الانتقال من بنية «الحكاية المحكمة» إلى بنية التجربة، فين كولي الإحساس والذاكرة والصدفة عناصر بنائية بلا ما يْضيع البعد الأخلاقي والمعنى العام. ومن الرمز حتى للمؤسسة، كيبان باللي الرموز الجماعية محتاجة مؤسسات تحفظها عبر الأرشفة والمتاحف الحية والمنصات التعليمية، وإلا فهي معرضة للتبديد. وفالسياق المغربي، كتبرز الذاكرة الرمزية كمصدر غني للدراماتورجيا، سواء عبر الحلقة وساحات الفرجة أو عبر الملحون والسماع وكناوة وعيساوة وأحواش وأحيدوس، وهي كلها أشكال كتغذي الميزان الإيقاعي وكتنتج صور رمزية قابلة للترجمة المسرحية والسينمائية. وزيد على هاد الشي المسرح المغربي الحديث، بتجارب بحال الطيب الصديقي وعبد الكريم برشيد ودراسات حسن المنيعي، دار جسر بين التراث والحداثة. وتعزيز هاد الرصيد عملياً كيطلب بناء حوكمة للتراث الأدائي كتربط الفرق الشعبية بمختبرات ديال الكتابة والإخراج، مع مسارات حقوق مجتمعية كتحمي الذاكرة.
الأمثلة المغربية الحديثة كاتعطي الضوء لهاد الطرح، من «وشمة» ديال حميد بناني اللي خلا التشكيل البصري ذاكرة جرح جماعي، حتى «أليام أليام» و«Trances» ديال أحمد المعنوني اللي تحوّل فيهم الإيقاع الشعبي لدراماتورجيا ديال الصوت والجسد، مروراً بأعمال بحال «ألف شهر»، «آدم»، «القفطان الأزرق» ولا «علّي صوتك» اللي مزجو بين الحميمي واليومي، وبين الجمالي والسياسي. هاد الأمثلة ماشي إلا إشارات على الإمكانية ديال تحويل الرموز الشعبية للغة معاصرة، والقائمة غادي تكبر وتتوسع فمقالات وملفات متخصصة من بعد.
كما ما يمكنش نغفلو دراماتورجيا التلفزة والويب اللي كاتفرض تعددية فصيغ السرد بين الحلقات والسلاسل والمنصات، وهو ما كيستدعي غرف كتابة عندها بوصلة جمالية وأخلاقية. حتى البودكاست والويب-دوك ولى بدورو وسيلة ديال التربية الجمالية وتكوين جمهور ناقد، اللي كايخلي السرد الصوتي تجربة تربوية فـ نفس الوقت اللي هو تجربة جمالية.
هاد المشروع محتاج حتى هو لأخلاقيات واضحة كاتقوم على صون الكرامة الرمزية، وتفادي توظيف الفقر والهشاشة بشكل استهلاكي، وعلى الشفافية المؤسساتية اللي كاتفرض آليات تقييم علنية وأرشفة مفتوحة، وعلى العدالة الثقافية اللي كاتضمن توزيع الفرص جغرافياً واجتماعياً، ثم على التربية الجمالية اللي خاصها تبدا من الطفولة. ولتجسيد هاد الأفق، ممكن يتدار خارطة طريق عملية على مدى عام كامل، كتبدأ بتأسيس مختبر للدراماتورجيا المغربية وجرد التراث الأدائي المحلي، مروراً بإطلاق غرف كتابة تجريبية وشراكات مع المدارس والمعاهد، ووصولاً لتظاهرات ثقافية كبرى كاتسالي بنشر دفتر للسياسات الثقافية. وبهاد الشكل، يمكن قياس الأثر من خلال عدد النصوص اللي تطورت، وتنوع المشاركين، والتأثير التربوي، ووجود أرشيف رقمي مفتوح.
كمال الانسجام ماشي هدف نهائي قد ما هو مسار نقدي مفتوح، كيعاود يوصل الجمالي بالأخلاقي، والرمزي بالمؤسساتي، والفردي بالجماعي. وكل إضافة هنا ماشي سد للنقاش، ولكن دعوة لورشة مفتوحة ديما فالحركة. وكايبقى التذكير باللي كاينين مفكرين كثار ما تكتباتش الأسامي ديالهم بعد، وغادي يجي وقتهم فالإطار المناسب وداخل سياقات دقيقة، حفاظاً على الدقة المنهجية وعلى حقوق الأفكار والمجالات اللي خرجات منها.

أضف تعليق