بازوليني… الميميسيس، الكاثارسيس والجسد : الدراماتورجيا ككابوس سياسي 1

بازوليني أعاد صياغة مفهومين أساسيين في النظرية الجمالية الكلاسيكية: الميميسيس والكاثارسيس. فإذا كان الميميسيس عند الفلاسفة القدامى يُفهم كـ”محاكاة” أو “انعكاس” للواقع، فإن بازوليني يراه أداة للفضح والتعرية، حيث تتحول الصورة السينمائية إلى مرآة تكشف ما يخفيه المجتمع خلف واجهاته الرسمية. أما الكاثارسيس، الذي حدّده أرسطو كتطهير نفسي يتحقق عبر الخوف والدموع، فقد قلبه بازوليني رأساً على عقب: التطهير عنده لا يمر بالراحة ولا بالانفراج، بل بالصدمة والاضطراب الداخلي. المتفرج يغادر القاعة مقلوباً في قناعاته، وهذه الزعزعة بالذات هي التي تتحول إلى لحظة وعي نقدي، تجعل من السينما قوة تفكير ومساءلة، لا مجرد وسيلة للترفيه.

بازوليني وُلد في عشرينيات القرن الماضي، في قلب إيطاليا المجروحة من الحرب العالمية الثانية، حيث كانت آثار الفاشية والكنيسة الثقيلة تهيمن على المجتمع. في هذا المناخ، لم يختر الطريق السهل. لم يكتفِ بالكتابة الشعرية ولا بالتحليل الفلسفي، بل جعل من السينما ساحة مواجهة. بالنسبة له، الفيلم ليس فرجة ولا ترفيهاً، بل أداة معرفية، نوع من المقال البصري الذي يستدعي الفكر قبل العين.

لقد عاش بازوليني في صدام دائم مع السلطة السياسية، مع المؤسسة الدينية، ومع المجتمع الاستهلاكي الذي كان ينهض بقوة في إيطاليا الخمسينات والستينات. وهو صدام لم يكن بدافع الميل إلى الاستفزاز، بل قناعة بأن الثقافة لا تستقيم إلا إذا فتحت أعيننا على ما نريد إخفاءه.

جملته الشهيرة « إحداثُ الصدمة حقّ، والانصدامُ متعة، وأمّا الذين يرفضون أن يُصدموا فهم المُتَزَمِّتون..» تلخص مشروعه كاملاً. فبالنسبة له، الصدمة ليست هدفاً في حد ذاتها، بل ضرورة.

الفنان له الحق في أن يصدم، والمشاهد له المتعة في أن يعيش هذه الصدمة كتجربة فكرية. أما من يرفض، فليس إلا محافظاً يختبئ خلف سطحية الأخلاق. بهذا المعنى، بازوليني أعاد تعريف العلاقة بين الفن والمجتمع : ليس الفن مرآة مطمئنة، بل زلزال صغير يخلخل، يهز، ويكشف.

القمة الفكرية والجمالية لهذا المشروع تتجسد في فيلم Salò ou les 120 Journées de Sodome. باختياره نص دو ساد المثير للجدل، لم يكن هدف بازوليني إعادة بناء سردية صادمة فقط، بل تحويلها إلى أطروحة سياسية بصرية.

في الفيلم، يتحول الجسد إلى مساحة صراع مكونة من أربعة أسياد يجمعون شباناً وشابات، ويخضعونهم لطقوس متصاعدة. البداية احتفال، النهاية كابوس. الضحك ينقلب إلى غثيان، المتعة إلى عذاب، والجسد إلى سلعة مستباحة. كل لقطة هنا انعكاس مباشر للفاشية: السلطة فوق، الجسد تحت.

بازوليني أعاد التفكير في المفاهيم الكبرى التي صاحبت تاريخ الفن منذ الفلسفة اليونانية. فالميميسيس، أي المحاكاة، لم تعد عنده مجرد تقليد للواقع أو انعكاس محايد له. بل تحولت إلى فعل فضح وتعريه، حيث تصبح الصورة أداة لكشف الوجه الوحشي الذي يخفيه المجتمع خلف أقنعته السياسية والدينية والأخلاقية. السينما عنده لا تكتفي بأن تقول “هذا هو الواقع”، بل تمضي أبعد من ذلك لتظهر ما يسعى الجميع إلى التستر عليه.

أما الكاثارسيس، أي التطهير، فقد قلبه بازوليني رأساً على عقب. إذا كان أرسطو قد اعتبره تطهيراً نفسياً يتحقق عبر الدموع والخوف والحزن، فإن بازوليني يرى أن التطهير الحقيقي يمر عبر الصدمة. المتفرج لا يغادر القاعة مرتاحاً أو مطمئناً، بل مقلوباً من الداخل، مزعزعاً في قناعاته. وهذا الاضطراب نفسه هو الذي يتحول إلى شكل من أشكال الوعي والتحرر، لأنه يجبر الفرد على التفكير وإعادة النظر في المسلّمات.

في قلب هذا المشروع، يبرز الجسد باعتباره مرآة السياسة. السلطة، بالنسبة لباسوليني، لا تعيش فقط في النصوص القانونية أو الخطابات الرسمية، بل تستقر في الجسد، في رغبته، في إهانته، وفي استغلاله. وهنا تكمن قوة Salò : ليس لأنه فيلم عنيف في مظهره، بل لأنه يكشف أن العنف السياسي يجد أقوى تجلياته في الجسد البشري نفسه، الذي يتحول إلى موضوع للهيمنة والاستغلال.

لم يكن بازوليني مجرد مخرج إيطالي مثير للجدل، بل مدرسة فكرية وجمالية كاملة. مشروعه يلامس سؤالاً كونياً: كيف يمكن أن نحمي حرية التعبير من الانغماس في مجتمع استهلاكي يفضل الراحة على مواجهة الحقيقة ؟

في عالم يعيش تحولات عميقة، وخصوصاً في الفضاء المتوسطي، تظل دعوة بازوليني ذات راهنية قصوى. علينا أن نعترف بأن الفن ليس ترفاً ولا تزييناً للواجهة، بل ضرورة وجودية وفكرية. علينا أن نمنح الفنانين الحق في أن يصدموا، وأن نقبل نحن كمجتمع أن نعيش الصدمة لا كتهديد للأخلاق، بل كتمرين على التفكير والنقد.

إن المؤسسات الثقافية، حين تراهن على هذا البعد النقدي، وتفتح المجال أمام التجارب الجريئة، فإنها لا تدعم فقط الإنتاج الفني، بل تساهم في بناء مستقبل مختلف. فالمستقبل لا يصنع بالراحة ولا بالتكرار، وإنما بالأسئلة التي تزعزع وتجبرنا على إعادة التفكير.

أضف تعليق