أولى الصور التقطها الأخوان لوميير في طنجة سنة 1897، ثم جاء الاستعمار ليحوّل البلاد إلى فضاء استشراقي للإنتاج الأجنبي. لكن مع استقلال 1956 وتأسيس المركز السينمائي المغربي، بدأ الحلم بخلق سينما وطنية تعكس المجتمع وهويته. من السبعينيات، برز جيل حمل همّ الالتزام السياسي والاجتماعي، بأفلام مثل ”حلاق درب الفقراء” لمحمد الركاب, ”السراب” لأحمد البوعناني، قبل أن تنفتح السينما في الثمانينيات والتسعينيات على قضايا المرأة والمدينة، بأسماء مثل فريدة بليزيد ونبيل لحلو. ومع مطلع الألفية، ظهر جيل جديد قدّم أفلاماً حققت صدى دولياً مثل ”علي زاوا” لنبيل عيوش وياله من عالم رائع لفوزي بنسعيدي ثم ”العيون الجافة” لنرجس النجار, الى غيرها من الأسماء البارزة.
في عالم اليوم، المؤسسات السينمائية الكبرى لم تعد مجرد فضاءات لحفظ الأشرطة، بل أصبحت علامات مضيئة تصنع النقاش وتكوّن الأجيال. La Cinémathèque Française في باريس، أو Cineteca di Bologna في إيطاليا، خير مثال: الأولى ليست مجرد مكتبة، بل مدرسة فكرية تنظم تظاهرات كبرى تربط الماضي بالحاضر، والثانية أسست مختبر L’Immagine Ritrovata، الذي أصبح مرجعاً عالمياً في ترميم تحف خالدة مثل شابلن وبازوليني وفيلليني. وفي بريطانيا، مشروع Unlocking Film Heritage مكّن آلاف الأفلام النادرة من أن تكون متاحة رقمياً للأجيال المقبلة.
هذه النماذج تكشف لنا حقيقة أساسية أن السينما ليست تراثاً جامداً، بل لغة حيّة، تتجدد باستمرار وتفتح النقاش.
من هنا، تأتي أهمية المبادرة الأخيرة للخزانة السينمائية المغربية بإطلاق ماراطون السينما: 100 فيلم، 100 عام من الصور، وتجربة فريدة موجهة بالأساس إلى الشباب. هذه الخطوة تحمل رسالة واضحة أن المؤسسة لم تعد ترى نفسها مجرد “حارس للأرشيف”، بل فضاءً حيّاً، منفتحاً على الأجيال القادمة، وراغباً في جعل السينما أفقاً للتربية على الصورة والتفكير النقدي.
لكن التحدي الأكبر يبقى أمامنا: كيف نضمن ألا يظل هذا الماراطون مجرد احتفال موسمي، بل يتحول إلى مدرسة وطنية مستمرة ؟ هنا، يبرز دور التخطيط الاستراتيجي في تأسيس مختبرات للتكوين، ورش نقدية مفتوحة، شراكات أكاديمية، ومساحات للتجريب. لأن الجيل الحالي لا يحتاج فقط إلى مشاهدة الأفلام، بل إلى التسلح بأدوات تتيح له أن يبدع ويجدّد.
القيمة الحقيقية لأي مؤسسة ثقافية لا تُقاس بعدد التظاهرات، بل بقدرتها على ترك أثر بعيد المدى في الأجيال المقبلة. الخزانة السينمائية المغربية تمتلك رصيداً غنياً من الأفلام النادرة والصور البصرية والتاريخ الفيلمي، لكنها تملك أيضاً فرصة ذهبية لتحويل هذا الرصيد إلى مدرسة وطنية وعالمية. مدرسة تحمي الماضي، وتبني المستقبل.
مبادرة ماراطون السينما إذن ليست مجرد موعد ثقافي عابر، بل إشارة قوية لبداية مشروع وطني أشمل. وما نحتاجه اليوم هو أن يذهب الفريق الذي يقف وراءها أبعد من مجرد الاحتفال، نحو صناعة رؤية مستدامة تجعل من الخزانة السينمائية المغربية واجهة ثقافية كبرى، شبيهة بالمؤسسات العالمية.
اليوم، وبعد مائة عام من الصور والتحولات، تقف السينما المغربية أمام تحدي الاستمرارية بالانتقال من سينما المناسبات والدعم إلى مدرسة حقيقية قادرة على تكوين الأجيال، حفظ الذاكرة البصرية، وفتح أفق عالمي للثقافة المغربية.
بالتوفيق للفريق.

أضف تعليق