سينما باراديزو: حين تصبح الشاشة ذاكرة الحياة

افتتحت الخزانة السينمائية ا لمغربية ماراطون السينما بعرض واحد من اعظم افلام السينما الايطالية في فترة الثمانينيات، وهو فيلم سينما باراديزو ديال جوسيبي تورناتوري المخرج الايطالي الكبير، فيلم سينيما باراديزو خرج سنة 1988 وفاز باوسكار افضل فيلم اجنبي سنة 1990، وهو من بطولة الممثل الفرنسي فيليب نواري والطفل سالفادور كاسيو، وهنا فدراماتورجيا لاب غادي نديروا قراءة تحليلية ونقدية بالدارجة لهاد التحفة السينمائية.

السينما كطقس جماعي وفضاء للانتماء

فيلم سينما براديزو فيه جوج نسخ وحدة المدة ديالها ساعتين والثانية المدة ديالها ثلاث ساعات، وهاد الاخيرة هي لي انقوموا بتحليلها على اعتبار انها هي نسخة المخرج، فيلم سينما باراديزو هو الفيلم اللي يتمنى اي مخرج يديروا لانه كايعبر على الشغف الحقيقي والصادق اتجاه السينما ماشي فقط كفن ولكن كاسلوب حياة كملجأ وكفضاء كيجمع البؤساء والمسحوقين باش يتحرروا ولو لساعات من بئس الحياة لي كايعيشوا. داكشي علاش تسمية قاعة السينما فالفيلم ببراديزو او الجنة فيها كثير من العبقرية حيث كاتعطيها رمزية مناسبة للفرق بين شوارع القرية بعد الحرب وبين الفضاء ديال السينما، لي هي نافذة على العالم الاوسع والاجمل لي كاتهضر عليه شخصية الفريدو ولي شبيه بالجنة

الناس فسينما باراديزو ماشي كاملين كايجيو من اجل مشاهدة الافلام، كل وحد والهدف ديالو، وهنا كاين رسم مهم ديال بزاف دبال الشخصيات، ولي كايعكسوا صورة المجتمع الايطالي بعد فترة الحرب، مجتمع مليئ بالتعقيدات النفسية والانسانية وغارق فالعشوائية والتخلف ولكن باقي عنده شيء من العاطفة وحب الحياة والاخر، هاد التركيبة صنع منها جوسيبي تورناتوري طقوس خاصة امام شاشة السينما واللي عطات للفيلم بعد اجتماعي لا يخلو من السريالية


رحلة من النور الى الظلام  

فالفيلم شخصية البطل واللي هو سالفادور » توتو « كايعيش جوج ديال الرحلات، الرحلة الاولى هي رحلة خارجية: من بعد ما كاتاصل بيه الام ديالو وكاتخبروا بوفاة الفريدو كايرجع للقرية ديالوا من بعد 30 سنة ديال الغياب باش يحضر للجنازة، والرحلة الثانية هي رحلة داخلية وهي لي كانشوفوها حنا فالفيلم هي رحلة الذاكرة لفترة الطفولة دياله وعلاقة الصداقة مع الفريدو، رحلة شبعانة نوستالجيا وحنين وحب للسينما، ولكن فنفس الوقت تعقيدات العلاقات الانسانية فعالم بئيس، واللي كاتلخص فالجملة لي قالها الفريدو : الحياة ماشي فيلم سينمائي… الحياة اعقد بكثير

المخرج حاول انه يوضع وصف بصري من اول مشهد في الفيلم باش يقول لينا بلي هاد جوج رحلات هوما من النور الى الظلام، النور لي كايتمثل فالشهرة والنجومية والغنى والحب واللي كايعبر على العالم الجديد لي ولا عايش فيه سالفادور من بعد ما ولا مخرج، والظلام هو القرية لي كان عايش فيها ولي هي رمز للبؤس والفقر والصعوبات المادية والاجتماعية وحتى الانسانية، فمثلا المشهد الافتتاحي كايبدا بحركة كاميرا من الامام الى الخلف ومن بحر مضيء وجميل الى منزل مظلم فين كاتعيش الام، وهنا حركة الكاميرا هي نفسها رحلة البطل.

تقديم شخصية الفريدو كظل لسالفادور

ألفريدو، عارض الأفلام العجوز، ماشي مجرد شخصية ثانوية، بل هو قطب مركزي في التشكيل الدرامي. هو المرشد الروحي لتوتو، هو اللي كايعلمه معنى الحياة، هو الظل ديالو، لانه ببساطة لو انه توتو بقى عايش فالقرية وماخرجش منها كان غادي يعيش نفس الحياة ديال الفريدو، لانه هاد الاخير ماشي فقد البصر ولكن القرية هي لي ولات عالم مظلم والرؤية فيه مستحيلة، وهنا قوة الدراماتورجيا ديال فيلم سينما باراديزو لان مصير الشخصيات هو المحرك الاساسي لمعنى رحلة البطل

الحب هو دفع من نحب نحو عالم افضل

الصداقة والحب لي كاتجمع بين الفريدو وتوتو هي مثال للتعقدات الانسانية لي تكلمنا عليها، الفريدو عارف باللي بقاء توتو فالقرية غادي يخليه يعيش نفس مصيره، داكشي علاش دفع بيه نحو الهجرة بلا ما يفكر فالعودة، حيث هداك هو السبيل الوحيد لي غادي يخليه ينجح فحياته ويحقق احلامه، وكيف كايقول الفريدو : ماترجعش لهنا… هذا المكان صغير، والعالم واسع

موت الفريدو وانهيار مبنى سينما باراديزو 

الفريدوا هو لي دفع توتو للرحيل ووفاته هي لي خلاته يرجع من جديد، يعيش نوستالجيا المكان  ويشوف القرية لي كان هازها فقلبه هادي 30 سنة كيفاش انها تغيرات ولكن مازالها مظلمة، ويعرف  قيمة الرحلة لي عاشها بسبب الفريدو، ومن بعد، كيجي مشهد آخر اللي كايتعتبر احد اجمل مشاهد السينما الايطالية: سقوط سينما باراديسو. ماشي غير بناية طاحت، ولكن طاح معاها زمن كامل، ذكريات ديال الطفولة والضحك والبكا والفرجة الجماعية. موت ألفريدو وانهيار السينما بجوج كيختزلو فكرة وحدة: كلشي كيمشي، الناس كيموتو والأماكن كتمحي، ولكن اللي كيبقا هو داك الأثر اللي كايخليوه فقلوبنا، والسينما هي اللي كتجمع هاد الشي كامل وتخليه يعيش من جديد

نهاية الفيلم : السينما فضاء للذاكرة 

فالنهاية، توتو كيجلس بوحدو قدام الشاشة، وكيتفرج فداك الشريط اللي خباه ليه ألفريدو، بحال إلى هدية من عالم آخر. القُبلات اللي كانت الرقابة كتقصها رجعات بحال شلال ديال الحب، كيغسل قلبو ويذكرو بكلشي: طفولته، حبه الأول، والأب الروحي اللي مشى. لحظة كلها صمت ودموع، ولكن عامرة بالحياة. السينما هنا ولات بحال ذاكرة حية، كترد اللي مسحو الزمن، وكتعلمنا بلي الموت والهدم ما كيقدروش يلغيو الحب. فداك الظلام ديال القاعة، توتو لقا الصلح مع نفسو، ولقا المعنى اللي كان كيقلب عليه: أن السينما ماشي غير صور كتتحرك، ولكن روح كتحفظ كلشي اللي فات، وتخلي الذكريات حية

مهدي  عبوبي

أضف تعليق